نخبة من الأكاديميين

137

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وإذا كانت هذه الحالات الاستثنائية تمثل نقطا سوداء في نسيج التعايش السلمي بين المسلمين المغاربة والمسيحيين لأسباب ترجع إلى التهور أحيانا ، وعدم الالتزام بالحكمة والتعقل أحيانا أخرى ، فإنها لم تؤثر في سيرورة هذا الاتجاه السلمي الذي تجذر بفعل سياسة التسامح التي نهجها الخلفاء الموحدون . وقد وقف الباحثون الغربيون المنصفون منبهرين أمام هذا الجو من التعايش السلمي بين الجانبين ، فمؤرخ الحياة الدينية للغرب الإسلامي الأستاذ ألفرد بل Alfred Bel نوّه بروح التسامح التي نهجها المغاربة تجاه المسيحيين من تجار وجنود وغيرهم « 1 » ، بينما وقف باحث آخر « 2 » مندهشا أمام العلاقات الطيبة التي ظلت سائدة بين نصارى ومسلمي أفريقية حتى بعد الغزو النورماندي للساحل التونسي ، مما ينهض قرينة على استمرار فصل هام من علاقات التعايش بين المغارب - ة و " ضيوفهم " المسيحيين ، وهو ما يتأكد من خلال رصد الأدوار التي قاموا بها والتأثير المتبادل الذي أدى إلى ميلاد حضارة مشتركة ، وهو ما سنتطرق إليه الآن . ثالثا : دور الطوائف المسيحية في الغرب الإسلامي وميلاد حضارة إسلامية - مسيحية مشتركة : لا تفصح النصوص بما فيه الكفاية عن مختلف الأدوار التي لعبها المسيحيون في الغرب الإسلامي . غير أن الإشارات الباهتة التي نعثر عليها بصعوبة تكشف أهمية تلك الأدوار ، وتدل على مساهمتهم الفعالة في نسج خيوط حضارة إسلامية مسيحية مشتركة . 1 الأدوار المسيحية في مجتمع الغرب الإسلامي : على الصعيد السياسي تشير المصادر إلى أن قادة الكتائب العسكرية المسيحية وهم في الغالب إسبانيون قشتاليون أخذوا يتدخلون في أمر بيعة الخلفاء الموحدين وترشيح هذا الأمير أو ذاك للحكم . وفي هذا الصدد ذكر ابن أبي زرع « 3 » عند تعرضه لخلافة عبد الواحد الرشيد الموحدي : « أخذ له البيعة كانون بن جرمون السفياني ، وشعيب أخو قاريط الهسكوري ومرقسيل قائد الروم » ، وهي إشارة واضحة إلى الدور الرئيسي الذي أصبح يلعبه قادة الجند الرومي . ولم يقتصر الأمر على العنصر الذكوري من المسيحيين ، بل إن النساء النصرانيات أصبحن يحشرن أنوفهن في أمر البيعة ، ويبرز في هذا الشأن اسم حبابة زوجة الخليفة الموحدي المأمون ، وهي جارية نصرانية لعبت دورا بارزا ، واستخدمت النفوذ والرشوة من أجل ترشيح ابنها الصغير الخليفة الرشيد الموحدي « 4 » وذلك بمساعدة شخصية مسيحية أخرى ، وهو سانشو الذي لعب أيضا دورا هاما في التاريخ المغربي « 5 » . ولا يستبعد أن تكون الحاميات العسكرية المسيحية قد تدخلت في شؤون القبائل من أجل استقطابها أو إبعادها عن التحالف مع الخليفة كما لاحظ ذلك أحد الباحثين « 6 » . وليس صحيحا في نظرنا طبقا للنصوص السابقة ما استنتجه المؤرخ Mensage من أن هذه الحاميات لم تتدخل في النزاعات داخل الأسرة الحاكمة أو القبيلة « 7 » . ونعتقد أن هذا الدور السياسي الخطير الذي اضطلعت به الحاميات القشتالية يعزى إلى استئثارها

--> ( 1 ) - « Coup d oeil sur l Islam en Berberie » Revue des Religions , Janv - Fev 1917 , Ernest le Roux 1917 , p 70 . ( 2 ) - CUOQ , L eglise de l Afrique du Nord de 2 e au 12 e siecle . Paris , 1984 , p : 170 . ( 3 ) - روض القرطاس : م ، س ، ص 254 . ( 4 ) - المصدر نفسه ، ص 254 . ( 5 ) - DUFOURCQ , op , cit , pp : 43 - 44 - 57 . ( 6 ) - Ibid , p : 60 . ( 7 ) - MENSAGE , op , cit ; p : 10 .